في القرن الماضي ، شهد عالم الأعمال تغيّرات جذريّة، ليس فقط على مستوى الكمّ، بل أيضاً على مستوى المفاهيم وطبيعة التفكير. فقد تمّ الانتقال تدريجيّاً من أسلوب التخطيط العرضي أو القصير الأمد إلى التخطيط طويل الأمد. في ما مضى كان رجال الأعمال يقفون موقف المتفرّج على عمليّة الابتكار الذي كان يحدث بشكل عرضي. التطوّرات التي حدثت في القرن الماضي دفعت رجال الأعمال إلى الانتقال لموقف المبادر والإسهام في عمليّة الابتكار ودعمها بدل انتظارها والتفرّج عليها.
لم يعد الابتكار متروكاً للصدفة. فقد أدرك رجال الأعمال كيف أن لابتكارات معيّنة أن تغيّر شكل الحياة. أصبح من غير المعقول أن يجلس رجال الأعمال هؤلاء بانتظار أن يقوم شخص باختراع ما كي يستثمروه في صناعة ما. فالانتظار هذا يعني أنّ أرباح كثيرة ستفوتهم إمّا بسبب عدم وجود اختراعات جديدة أو خوفاً من أن يسبقهم منافسون لاستثمار اختراعات معينة وهذا قد يعني دمار صناعتهم التي قد تصل قيمتها في بعض الحالات لمئات المليارات من الدولارات. هذا الوضع أفضى إلى تبنّي رجال الأعمال هؤلاء عقليّة الاستثمار في خلق الاختراعات ولو كانت هذه الاستثمارات باهظة ومعقّدة وطويلة الأجل، وهي بطبيعة الحال قد تأتي أو لا تأتي. ليس هناك ضامن لقدوم الاختراع في وقت معين، لكن لا بديل عن المبادرة والاستثمار في ذلك. هذا الأسلوب تمارسه شركات كبرى مثل تيسلا وآبل وأمازون وأخواتها. لكنّ الفرد العادي البعيد عن عالم الأعمال، أو حتّى رجل الأعمال من القرن الماضي لا يمكن أن يصدّق وجودها لأنّه غير ضالع بنشاط من أنشطتها، فهو لا يحمل نفس العقلية ولا يزاول حياته وعمله بنفس الطريقة.
الصناعات مثل صناعة الفضاء أو الصناعات الطبيّة كإيجاد دواء للأمراض الخطيرة لا يمكن أن يتمّ باستثمار مدته سنة أو بموازنة قدرها مليون دولار مثلاً. لإحداث فتح معين في هذه المجالات قد يستغرق عمل منظّمات بأكملها عشرات السنوات وموازنات بمليارات الدولارات وتضافر عمل آلاف الباحثين.
بالنسبة لشركات عملاقة مثل غوغل أو فيس بوك، لم تقتصر الاستثمارات الضخمة هذه على تطوير منتجات، فقد خطت هذه الشركات خطوة أبعد لمراقبة سلوك المستهلكين وميولهم ثم خطوة حتّى أبعد: للتأثير في خيارات هؤلاء المستخدمين وخلق أنماط جديدة وتغيير أنماط الاستخدام القديمة.
من المفهوم أن ينكر الشخص العادي وجود هذا العالم وهذا النمط من الأعمال إذا كانت حياته بعيدة عن هذه الأنشطة. لكنّ هذا الإنكار لا يعني أنّها غير موجودة. ذلك يعني أنّ عدم التسليم بوجود هذه الممارسات سيؤدّي فقط إلى أن تتابع هذه الشركات مهمّتها، وإصرار المنكرين لن يغيّر شيئاً سوى أنّ هذه الشركات ستكون أقدر على استغلالهم والتحكّم بهم.
بطبيعة الحال ، لم يكن عالم الأعمال هو الوحيد الذي شهد هذا النوع من التحوّل. يمكن إسقاط مثل هذا التطوّر على كثير من مجالات الحياة الأخرى التي حدث فيها تغيرات مشابهة. وكلّما كان كان النشاط أكثر ربحية، كان هناك ميل لتنظيمه وتعقيد إدارته وإطالة أمدها.
لكنّ شركات الإلكترونيّات والسيّارات ليست أكثر الأعمال ربحيّة على الإطلاق. فإذا كان حجم هذه الصناعات والشركات يقدّر بمئات مليارات الدولارات، فإن حجم الأعمال الذي يديره أو يتحكّم به ساسة مثل بوتين، خامنئي أو دونالد ترامب تقدّر بترليونات الدولارات والقطاعات المرتبطة بهم مثل شركات النفط والغاز وصناعة الأسلحة والتقنيّات العسكريّة وغيرها.
لمتابعة قناة خفايا السياسة الدوليّة:
على فيس بوك
كناب "مالم يقله الإعلام عن الحرب في سوريا" متوفّر حالياً على موقع أمازون باللغتين الألمانية والانكليزية، ويتمّ العمل على توفيره بلغات أخرى
يمكن مشاركته مع القراء بهاتين اللغتين

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق